السيد كمال الحيدري

429

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

الاجتماعي . فيستفيد القويّ من الضعيف أكثر مما يفيده وينتفع الغالب من المغلوب من غير أن ينفعه ، ويقابله الضعيف المغلوب ما دام ضعيفاً مغلوباً بالحيلة والمكيدة والخدعة ، فإذا قوي وغلب قابل ظالمه بأشدّ الانتقام ، فكان بروز الاختلاف مؤدّياً إلى الهرج والمرج وداعياً إلى هلاك الإنسانية وفناء الفطرة وبطلان السعادة . وإلى ذلك يشير تعالى بقوله : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ( يونس : 19 ) ، وقوله تعالى : وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ( هود : 118 - 119 ) . وهذا الاختلاف كما عرفت ضروريُّ الوقوع بين أفراد المجتمعين من الإنسان لاختلاف الخلقة باختلاف الموادّ ، وإن كان الجميع إنساناً بحسب الصورة الإنسانية الواحدة ، والوحدة في الصورة تقتضي الوحدة من حيث الأفكار والأفعال بوجه ، واختلاف المواد يؤدّي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات والأحوال في عين أنها متّحدة بنحو ، واختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأغراض والمقاصد والآمال ، واختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأفعال وهو المؤدّي إلى اختلال نظام المجتمع الإنساني . فإذا اتّضح ذلك نقول : لمّا كان الإنسان بحسب طبعه وفطرته سائراً نحو الاختلاف كما أنه سالك نحو الاجتماع المدني ، إذن لا يتمكن من رفع الاختلاف ، وكيف يدفع شيء ما يجذبه إليه نفسه . فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوّة والتشريع بهداية النوع الإنساني إلى كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم ، وهذا الكمال كمال حقيقيّ داخل في الصنع والإيجاد ، فما هو مقدّمته كذلك . وقد قال تعالى : الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( طه : 50 ) ، فبيّن أن من شأنه وأمره تعالى أن يهدي كلّ